منذ أن باحت صناديق الاقتراع بنتائجها؟ بل وحتى قبل ذلك، تداعت أطراف سياسية للتنظم في إطار ما أسمته بالمعارضة للحكومة القادمة. ينبغي أن نذكر بشيء هام في البداية، وهو أن المعارضة ضرورية للديمقراطية. هذا أمر لا يناقشه عاقلان، وإذا ما ناقشاه، فإنهما لا يختلفان فيه. لذلك فإن المسألة لا يقع مركزها هنا، بل في مكان آخر. من المفيد هنا حتما أن نذكر بشيء آخر من شأنه أن ينبئنا بالمنطق الذي تقوم عليه فكرة المعارضة القادمة، وهو أن قسما ممن يفترض أنها الحكومة القادمة، ونعني بذلك حزب التكتل بزعامة الدكتور بن جعفر،قد شارك في النقاشات التي تمت قبيل الانتخابات وبعد الإعلان عن نتائجها، من أجل بناء جبهة للمعارضة في وجه حكومة يفترض أن حركة النهضة هي التي ستقودها. وما دمنا في باب التذكير ، فلنذكر أيضا أن قيادة الديمقراطي التقدمي قد حاولت مرارا، قبل الانتخابات، فتح قنوات حوار مع حركة النهضة، والاتفاق على المرحلة القادمة، وأن حركة النهضة التي أغلقت بإحكام ذلك الباب، لم يكن لها أي حماس للحديث في مواضيع من هذا النوع مع قيادة التقدمي بالذات. لا ندري ماذا كان يدور في ذهن الديمقراطي التقدمي بإزاء كثير من الأشياء عندما طلبت الحوار، ولكن الأكيد أن فتح باب الحوار كان يعني الوصول إلى اتفاقات، وأن أية اتفاقات تعني تقاسم أشياء معينة، وتوزيع فضاءات معينة.
............
لنعد إلى التكتل، وإلى طبيعة التعامل الذي قاد سلوك المعارضة القادمة تجاهه. لا يدري المرء كيف يمكن أن تتحاور مع حزب من أجل أن يكون في المعارضة، وأن تعلن أنك ستكون في معارضته عندما يرفض الدعوة ويفضل أن يكون في الحكم؟ ليست للمسألة علاقة بمضمون رؤى وتصورات التكتل فيما يبدو، ولا بطريقة عمل الحزب المذكور وأطروحات زعمائه، باعتبار أنه بين أن يكون في المعارضة أو في الحكم، فإن أصل الأشياء لن يتغير.
............
هناك إذا توزيع للأدوار في الفترة القادمة ذو منطق مختلف تماما عن المنطق الذي يقود أية معارضة، في نظام ديمقراطي عريق، ذلك أننا لسنا في هذا النوع من النظام فعلا، فديمقراطيتنا ناشئة. لب الموضوع إنما هو في علاقة بمن سيشكل الحكومة، وهي هنا "لسوء الحظ"، حركة النهضة وحلفاؤها الطبيعيون أو المحتملون. وخلافا لما يقدمه زعماء المعارضة القادمة، فإن الأمر لا علاقة له بمضمون ما ستقوم به الحكومة القادمة، فهي لم تعلن حتى ما تزمع القيام به. المسألة أنه طالما أن الحكومة القادمة ستتشكل من الفائزين في الانتخابات، وطالما أن حركة النهضة هي المنتصر الأول في هذه الانتخابات، فيجب معارضتها. هذا منطق سليم جدا في ديمقراطية ناشئة، لا يرضى فيها زعماء الأحزاب بحكم الانتخابات، وإن رضوا فمكرهين، وفي انتظار تغير اتجاه الريح أملا أن يكون في المرة القادمة ملائما لأشرعة بدت ممزقة وكثيرة الرقع. وبعيدا عن الأحزاب ذاتها، فإن ما يتحرك على الساحة اليوم نرجسيات حزبية، لا تتوقع المشهد من دونها، وكأنها أنتجته، وكأن إفلاته من حساباتها جريمة للتاريخ والسياسة. لأننا في ديمقراطية ناشئة، مازالت تلك النرجسيات تعتقد أن احتلال المواقع التي لا تزال تتمسك باحتلالها، أمر طبيعي لا يجب أن يوضع موضع أية شكوك. ففي الديمقراطيات النرجسية، الرجال لا يتغيرون، مهما حصل ومهما كانت النكسات التي قادوا إليها أحزابهم ومناصريهم.
............
لأن النرجسيات الحزبية ترفض التعامل المنطقي والعقلاني مع محددات الواقع الجديد وتحاول باستمرار فرض ما تتصوره هي على واقع منفلت، سنظل نتعامل مع انعدام المنطق في السلوك السياسي التونسي. بغض النظر عن المعاني التي تأخذها دعوة النهضة "لجميع الأطراف" للمشاركة في الحكومة. فسواء كان الأمر نابعا من رغبة أكيدة في الانفتاح أو مجرد تحسب للصعوبات القادمة بما قد يعطي للحكومة القادمة اسم حكومة "تقاسم الأعباء" عوضا عن "حكومة الوحدة الوطنية"، فإن ما يهمنا هنا هو محاولة فهم المنطق الذي يقود جزءا من الحكومة السابقة (حكومة محمد الغنوشي) تجاه الحكومة المفترضة النابعة من الانتخابات (حكومة حمادي الجبالي). في قفزة لا يعلم حكمتها إلا الله والراسخون في النرجسية، قبل البعض المشاركة في حكومة صنعت في الظل، صحبة عشرين من رموز النظام السابق، ولم يعدموا وسيلة للدفاع عن النظام القديم إلا واستعملوها، ويرفضون اليوم التعامل مع حكومة يفترض أن تقوم على توازنات أنتجتها صناديق الاقتراع !! هذه القفزات من النوع الذي سيدرس في المستقبل، وسيثير حيرة كل المحللين وعلماء السياسة. ربما على هؤلاء أن يضعوا في الحسبان أننا في ديمقراطية ناشئة، وأنه في الديمقراطيات الناشئة قد يسمح بجميع أنواع القفزات
......
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق