تعتقد قوى الثورة المضادة في هذه المرحلة الجديدة التي أعقبت الانتخابات أنها انهت مرحلة الالتفاف على الثورة "ديموقراطيا" و بأسلم الوسائل و أبخسها ثمنا و أكثرها دهاءً... استعدادا لمباشرة مرحلة "التدجين السياسي" لشعبنا باسم الشرعية الانتخابية المفتعلة
للأحزاب التي ستتقلد زمام السلطة...كما خُطّط للأمر مسبقا....،و قد نبّهنا من قبل
إلى خطورة التلاعب بالتمثيلية الحقيقية لشعبنا الثائر في تلك الانتخابات التي جرت أخيرا... و أكدنا فشل هذه العملية تقنيا و اجرائيا بالشكل الذي تمّت عليه...و بالشروط التي وضعت لها
حيث أقصت التمثيلية الفردية في الدوائر الصغرى لحساب تقنية انتخابية لا تتيح الا للأحزاب أن تُمثّل ...في حين كنا في مرحلة الانجاز الثوري الفعلي الذي يتطلب وسائل تلائمه ....و كنا نقول: يمكن بالتمثيلية الفردية تحقيق ذلك
و القطع فعليا مع المرحلة السابقة و تحقيق المطالب الاجتماعية لأن جوهر الثورة الاجتماعي لا يتحقق من طريق الأحزاب التي سايرت الثورة و لم تكن وقودها
و لا حافزها....و بالمحصلة فإن ما نراه الآن هو: توسع دائرة المضادين لأهداف الثورة و تهميشا جديدا لأصحابها الحقيقيين في الجهات من الطبقة الشعبية تحديدا
و نعني بقوى الثورة المضادة في هذه المرحلة تذكيرا و تدقيقا : النظام السابق نفسه المستمر في الهيمنة على مفاصل الدولة و الادارة بأنيابه المالية و الأمنية، و بمساميره الصدئة في الاتحاد الى جانب من نسق مع حكومة تصريف العمالة من أحزاب انتهازية
و من التحق بألاعيبهم الالتفافية ليخدم المصالح الاستراتيجية الأجنبية على حساب مصلحة شعبه
و ليس في هذه التوسعة لدائرة المناوئين ما يخيف ذلك أن جبهة الصامدين على المبدأ ممن يكتشفون كل يوم زيف المخادعة و التضليل في سياستهم
تتسع دائرتهم ايضا...و لكن مع ضبابية ربما في تحديد الطريق و وسائل الممانعة المرحلية
فأما مرحلة الاتفاف فقد اتسمت يتجميد الملفات الساخنة و العدالة الانتقالية المزعومة
الى حد التجاسر على أهداف الثورة العليا التي من أجلها قامت ، باخراج الفاسدين المستهدفين بالثورة من أرباب المال و المافيات الأمنية من دائرة المطالبة و المحاسبة.... الا الحلقات الضعيفة و المكشوفة مما يصلح أن يكون كبش فداء...و أما مرحلة التدجين التي تسير الآن على قدم و ساق، فهدفها اقناع شعبنا بالانخراط في ال " المشروعية الديموقراطية " للأحزاب المنتخبة
و تحميلها مسؤولية المحاسبة و الاصلاح المزعومين.....دون توفر شروط ذلك لا آجلا و لا عاجلا ، لأن من يدخل دهاليز نظام فاسد لاصلاحه بآلياته نفسها يجد نفسه في نهاية المطاف جزءا منه و ينتهي الى الذوبان في أتونه...وفق التجربة التاريخية ذاتها لما شابه من ثورات سلمية
فيجب اذن اسقاط أكاذيب المرحلية و البراقماتية لأن الوضع لا يتحمل تأجيلا و الا صار سعي الأحزاب مفضوحا أمام الجماهير و هذا ما سيحصل في اعتقادي و يحصل فعليا.و يبقى أن نلقي نظرة على الواقع و ما يجري فيه من تواصل الخلل الأمني أخيرا و الذي يبرره ما حصل من تجاوزات في المرحلة الانتقالية السابقة ، و ما نعاينه من انفراط صبر الناس في الجهات المحرومة يأسا أمام تفاقم أوضاعهم المعيشية سوءا...لنقرأ ما عميت عنه أبصار المتحزبين الانتهازيين من أن جذوة الثورة متقدة دائما بل زادت حدتها في ضمائر الناس الى أن شارفت منعرجا خطيرا يمكن أن يوظفه أصحاب النفوس المريضة من الخاسرين في دمار البلد و مكتسباته.....فشعور القهر محرك فعال لكل الاحتجاجات و هو باق بنفس القوة و نفس المدى ....و الخوف الآن كل الخوف لمن يحملون هم الثورة و كانوا ضميرها ...من ان يؤخذ البلد نحو أسوإ السيناريوات في غياب الحس العملي في تحركاتهمو خفوت أصواتهم أمام الآلة الاعلامية التي تخذلهممتسائلين عن الدور و الوظيفة في هذه المرحلة..بعيدا عن الحس الحالم في الثورة ذاك الذي يستهلك طاقة الفكر و التخييل دون أنيكون له صدى في الواقع ...فاستقلالية الحالم قد تكون كارثية في ظل واقع ينبئ بالمخاطر من كل صنف
فأما "الثورة العملية" التي أعيت طالبيها....و الباحثين عن دروبها بين المسالك الكثيرة المتشابكة و الايديولوجيات التي تفرق أكثر مما هي توحد.....لأنها تدفع بهذا الشق أو ذاك الى التصنيف و الهجوم على مناوئيه ايديولوجيا في حين لم يتملّك قاعدة جماهرية اليها يستند واقعيا.....،و لا كان ذلك من أهداف الثورة ....و خارج أتون هذه المرجعيات التي رفضناها لأن واقعنا الاجتماعي أبسط في الفهم من كل هذا الاستقطاب ( بين تقدمي و رجعي ، حالم و غير حالم...) و أبسط الى حد التعقيد بالنسبة الى كثيرين.....: أتصور أنه من المهم التفكير في الجانب التنظيمي للثورة و روادها في هذه المرحلة ..... و يبدأ ذلك من قراءة حصاد الثورة في هذه المرحلة
مع تشخيص واقعي للصعوبات التي تجعل من ثورتنا التونسية أكثر هشاشة من شقيقتها المصرية على سبيل المثال في الوقت الحاضر - أو ظرفيا- لاسباب عملية بحتة و تتعلق بالضغط الديموغارفي في الشارع المصري الذي و ان كان "تناسبيا" الا أنه يمكن أن يحدث الفارق فعليا ...... و يكون الفعل الثوري عمليا بادراك خطورة الموقف الذي نحن فيه
فإن انجاز نصف ثورة أو مشروع ثورة يقتضي بالحد الأدنى تحصينها من الاستقطابين الداخلي و الخارجي....و تحقيق التقارب فيما بين من يفكرون في مصيرها و آفاقها ...
و لكن دون أن يصيبنا غرور التنظير و الافراط في الاستشراف الحالم ذلك أننا في الحقيقة مسايرون لثورة شعبنا...و في أقصى الحالات موجهون لبوصلتها ان قدرنا على ذلك فعلا و في الوقت المناسب...( ذاك أن فعلا في غير وقته لا تكون منه جدوى أبدا)....و هذا ليس فيه استنقاص أبدا للمثقفين الرياديين ....و انما تواضعا مفترضا و مفروضا يمليه الانحناء الى صاحب الشأن....أي الجماهير في الميدان......و الشعب الذي أراه في الوقت الحاضر يراقب بضميره الجمعي ما يجري و لم يقل كلمته الفصل بعد...و في هذه المرحلة
فإن من يفكر في شأن شعبه يكون قد أنجز أمرا عظيما ان قدر فعلا على تصحيح بوصلة التفكك الشعبي
و قطع الطريق أمام التوجهات الانفصالية و الجهوية التي قد تسقط الأهداف العليا للثورة و هنا خطرها و مساسها بالحقوق المشروعة
مثل الكرامة و السيادة و الحرية...تحت وطأة الشعبوية و اليأس من تغيير الواقع....و من مهامنا أيضا
ابقاء جذوة لأمل في الحراك الشعبي الموحد الأهداف و الغايات مشتعلة ...و أن ندافع عن ذلك و بشراسة أمام المناوئين و المدجنين الجدد لهذه الشعلة بما نملك من أوراق الحقيقة الصارخة.....الى أن يكشفهم الواقع
الذي ما عاد ....يتحمل الزيف و الخذلان...و الى أن تنجز الثورة تطورها الارادي
....نحو الفعل الواقعي الحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق